سيناء - مستقبل المصريين

سيناء - مستقبل المصريين

الاثنين، 5 نوفمبر، 2012

جولة داخل أحد أنفاق رفح

admin 1 أكتوبر 22, 2012 0
“الأهالي” في جولة داخل أحد أنفاق رفح
70% من الأنفاق مازالت تعمل في تهريب الاسلحة والمخدرات ومواد البناء
3 مليارات جنيه سنويا حجم تجارة الأنفاق و250 دولارا تكلفة المرور للفرد و10 آلاف دولار لتهريب السيارات
انهيار وتصدع 70 منزلا بمنطقة صلاح الدين بسبب الحفر العشوائي للأنفاق
تحقيق: عمرو عبدالراضي
قاصدا مدينة رفح الحدودية التي تبعد عن العريش نحو 40 كيلو مترا ، ركبت سيارة الاجرة التي انطلقت الي رفح بعد اكتمال عدد ركابها حتي وصلنا عند احد الاكمنة الموجود في مدخل المدينة وهو كمين” الماسورة” الذي يتعرض لاطلاق نار من قبل الجماعات المسلحة بشكل مستمر ، استوقفنا احد الضباط وطلب مني ابراز بطاقتي الشخصية . بالفعل اخرجت له البطاقة ، لكنه ما ان رأي مهنتي وعلم اني”صحفي” حتي قام بانزالي من السيارة طالبا مني العودة الي العريش ، استفزني كلام الضابط فقلت له اليس من حقي ان اذهب الي اي مكان في مصر فأنا مصري الجنسية كما هو مدون بالبطاقة التي في يدك، ثم انكم تسمحون للسائحين الاسرائيليين بالتجول في سيناء بكل حرية ، بينما تمنعونا نحن من الدخول الي اراضينا .
لكن الضابط لم يستجب لكلامي واصر علي موقفه الرافض لدخولي رفح ، فكرت ماذا افعل للخروج من هذا الموقف ، وقررت الاتصال بأبونا يوسف كاهن كنيسة رفح الذي كنت قد حصلت علي رقمه من الناشط السياسي ” مينا نصيف” بعدها تحدث ابونا يوسف مع الضابط من خلال هاتفي مؤكدا له اني اتيت الي رفح لاجراء لقاءات مع الاقباط الذين تعرضوا للتهجير من رفح بعد تلقيهم تهديدات من الجماعات الجهادية، ونجحت بالفعل في المرور من الكمين ودخول رفح.
ووصلت عند بوابة صلاح الدين أو محور” فيلادلفيا ” كما تسميه اسرائيل هو الشريط الحدودي الذي يمتد بطول 14 كم علي طول الحدود بين قطاع غزة ومصر. ووفقاً لأحكام معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لعام 1979، تسيطر القوات الإسرائيلية وتحرس تلك المنطقة العازلة وبعد اتفاق أوسلو عام 1995، وافقت إسرائيل علي الإبقاء علي المحور بطول الحدود كشريط آمن. كانت أحد الأغراض الرئيسية من المحور هي منع تهريب الأسلحة والذخائر والمخدرات والهجرة غير الشرعية . لكنه منذ عام 2000 حتي الان تم بناء مئات الانفاق تحت هذا المحور من قبل بعض الفلسطينيين وحركة حماس بمساعدة سكان رفح المصرية .
لذلك قررت ان ارصد ما يحدث داخل تلك الانفاق ولم يغب عن بالي تصريحات بعض القيادات العسكرية عن اغلاق غالبية الانفاق بين مصر وقطاع غزة و في محاولة مني لنقل ما يحدث داخل الأنفاق وخارجها التقيت مع أصحابها و بعض العاملين فيها بالاضافة الي سكان رفح الذين رووا مشاكلهم مع تلك الانفاق.
تسعيرة المرور
في البداية التقيت مع شخص يدعي خضر يعمل في حفر الانفاق منذ 10 سنوات تقريبا تحدث معي عن تسعيرة المرور من الانفاق قائلا إن سعر نقل الفرد الواحد يتراوح بين 100 و250 دولارا، كما أن كل نفق له سعر يبدأ بـ 100 دولار ثم 150 وحتي 200 و250 دولارا، بحسب المسافة التي يقطعها الفرد للمرور داخل النفق. كما انه علي الجانب الفلسطيني يتم تحديد تكلفة المرور من النفق إلي الجانب المصري مقابل أسعار مختلفة حسب المدة التي يقطعونها داخل النفق، وهو ما يكون موجوداً داخل المنازل في الجانب الفلسطيني.
واضاف أن طول النفق الواحد في الجانب المصري يراوح بين 8 و 15 مترا بالنسبة للنفق الفرعي و قد يصل إلي نحو 60 مترا في الانفاق الرئيسية ، كما تختلف نوعية الأشياء التي يتم تهريبها بحسب كل نفق، ما بين تهريب أشخاص وسيارات ومواد بناء وسولار.
واشار خضر الي اهمال المسئولين بالدولة في التعامل مع ابناء سيناء والعاملين في مجال حفر الانفاق حيث يسيطر النظام القبلي علي كل مناحي الحياة في سيناء ومعظم القبائل التي تحدث الدولة معها بعد حادثة الجنود في رفح هي قبائل بدوية وبعيدة عنا حيث تنقسم القبائل في رفح الي شقين وهما القبائل البدوية وقبائل “الإجلاعية” التي تشمل عائلات “الشعرة” والجنابزة” والبراهما” وزعربا” ونححنا”، كما أننا هنا ليس لنا أي مصدر رزق غير تلك الانفاق فالبطالة منتشرة بشكل رهيب جداً في رفح.
روائح كريهة وهواء خانق
بعد ذلك اوصلني خضر الي الشيخ سالم وهو صاحب احد الانفاق الرئيسية في رفح ، الذي طلبت منه ان يصطحبني في رحلة داخل نفقه فلم يعترض
لكن قبل ان انزل الي النفق طلب مني الشيخ سالم ان اضع شالا او كمامة علي انفي فالهواء داخل النفق خانق وتفوح منه الروائح الكريهة كما يمكن أن ينهار النفق في أي لحظة ويمكن أن تظل تسير داخله حتي تصل إلي نصفه دون وجهة محددة أو مخرج لمسافة نصف كيلومتر وإن كنت تعاني من فوبيا الاماكن المغلقة انصحك الا تفكر في النزول داخل النفق ففوقك حوالي 15 مترا من الضخور والرمال والوضع تحت الأنفاق خانق وغير هادئ حتي الممرات التي تعبر بك من رفح المصرية الي قطاع غزة لا تُسمع فيها سوي أصوات حركة الناس داخلها وحركة نقل البضائع والأسلحة ، ومع ذلك ينتابك شعور وانت داخل النفق ان هناك عالما اخر بكل تفاصيله يدار تحت الارض ، المهم اني نزلت النفق برفقة الشيخ سالم الذي قال لي إن عمق النفق يصل إلي 20 مترا تحت سطح الأرض تقريبا كما ان معظم من يقومون بالمرور من الانفاق الي قطاع من رفح الي قطاع غزة اوالعكس اما انهم ينقلون مواد بناء واطعمة واسمنت والماشية والاغنام او ان يكونوا من المهربين او الخارجين عن القانون الذين يلجأون الي بعض اصحاب الانفاق من معدومي الضمير الذين بنوا انفاقهم من الاساس بهدف تهريب المخدرات او الاشخاص ، واغلب هؤلاء الاشخاص اما انهم من اهالي رفح الفلسطينية وقطاع غزة الذين يعبرون الانفاق لشراء البضائع او الاقامة في رفح والعريش ، او انهم من السودانيين الذين يتم تهريبهم للعمل في اسرائيل في مهن مزلة ، لكن ايام الحرب علي غزة عام 2007 كان للانفاق دور ايجابي حيث تم تهريب بعض الأطباء الأوروبيين خلال الأنفاق للوصول إلي القطاع لمعالجة جرحي القصف الاسرائيلي لقطاع غزة.
اعداد الانفاق
كما يصل إلي قطاع غزة الكثير من البضائع من الطعام والأدوية والملابس والسولار والسيارات والانابيب المعدنية والورق والكثير من الأدوات معظمها بالطبع مهرب بشكل غير قانوني اما بسبب القيود التي تفرضها اسرائيل علي قطاع غزة او بسبب استغلالها من قبل الحركات الاسلامية مثل حركة حماس التي تشرف علي 80% من الانفاق الموجودة في سيناء ، أما عن عدد الأنفاق في رفح فهي ليست معلومة علي وجه الدقة بسبب عدم وجود إحصائيات بعددها ولكن يقال إنها مابين 600 الي 800 نفق قام الجيش بهدم 30% منها فقط فالانفاق التي تم تدميرها خلال الفترة الاخيرة من قبل الجيش المصري حوالي 196 نفقا بين ، منها 174 نفقا فرعيا و22 رئيسيا، واثناء سيرنا في النفق لاحظت انه محصن ضد الإنهيار عن طريق اعمدة خرسانية و الواح خشبية ، فسألت سالم . كيف يتم بناء الانفاق ؟ وكم من الوقت يستغرقه في بناء النفق ، فرد علي قائلا ان مهمة بناء الأنفاق تعتبر مهمة صعبة وخطيرة والكثير من الناس يموتون وهم يحفرونها خاصة إذا كان طولها أكبر من كيلومتر واحد حيث يختلف طول وعرض النفق من منطقة إلي أخري، كما تحتوي الأنفاق علي بعض الحاويات الكبيرة التي تستخدم في سحب البضائع داخل النفق.
تجارة الانفاق
واضاف سالم أنه في عام 2008 وصل عدد العمال المستخدمين لاحد الأنفاق من 20 الفا إلي 25 الف عامل ، كما أن حفر مثل هذا النفق ليس رخيصًا حيث إن كل 500 متر من النفق تتكلف 12 الف دولار ويمكن ان تصل إلي 20الف دولار لزيادة الامان لكن العائد من وراء بناء الانفاق اكثر من ذلك بكثير ويحقق ربحا وفيرا لاصحابها كما ان بعض الأنفاق تصل إليها الكهرباء فهذه الأنفاق مثلها مثل أي تجارة بالنسبة لأصحابها لذلك يقومون بصيانتها وتطويرها باستمرار ، اواشار ايضا إلي ان بداية بناء الانفاق عام 2007 كان يصل طول النفق حوالي 300 متر أسفل الحدود، علي عمق 20 متراً، وقطرها لم يتجاوز 30 سم، وذلك لصعوبة الأمر في السابق ، ولم يتجاوز عدد الأنفاق المحفورة أكثر من 5 أنفاق داخل المنازل بين الجانبين المصري والفلسطيني انذاك ، لكن العدد ارتفع مؤخرا ليصل إلي 800 نفق، وبأطوال مختلفة يتجاوز بعضها الكيلومتر، وبأعماق تتراوح بين 20 إلي 30 متراً أسفل الأرض، وبقطر تجاوز المتر ونصف المتر.
وقال إنه خلال الفترة الاخيرة وصلت تقديرات البضائع التي تصل إلي قطاع غزة من الأنفاق نحو 3 مليارات جنيه سنوياً ومن المتوقع ان تصل الي 5 مليارات جنيه خلال العام الحالي بعد وصول جماعة الاخوان للحكم والتيسيرات والتسهيلات التي منحها الدكتور مرسي لعناصر حماس في الدخول والخروج من سيناء ، كما نشطت تجارة عكسية من غزة لمصر ، لهذا تنتشر المنتجات الاسرائيلية بأسواق رفح و العريش مثل الفواكه والملابس الجينز والاحذية الاسرائيلي ..حتي المنتجات سريعة التلف مثل الزبادي موجودة هناك.
أجرة المرور من النفق
بينما يتحصل اصحاب الانفاق علي اجرة المرور من النفق اما بحصولهم علي نسبة 10 % من قيمة البضائع التي يهربها اصحابها وهي نسبة غير ثابتة قد تزيد أو تقل حسب الكمية التي يتم تهريبها وأسعار السوق، او برسوم ثابته علي مرور الاشخاص تتراوح بين 150 الي 250 دولارا للفرد الواحد ، وهناك انفاق كبيرة تستخدم لتهريب السيارات يتراوح سعر تهريب السيارة الواحدة مابين 7 آلاف إلي 10 آلاف دولار وتعود قضية تهريب السيارت المسروقة إلي قطاع غزة عندما تم تطوير الأنفاق وتوسيعها ، لتتسع لعبور سيارة كاملة، نظراً لفارق السعر الكبير بين أسعار السيارات في غزة ومصر، فكان هناك طلب كبير من تجار الأنفاق في غزة علي السيارات المصرية، لكن بعد ثورة 25 يناير تحولت الأنفاق المشتركة إلي منطقة تجارية لدخول الأسلحة القادمة من ليبيا بكافة أنواعها؛ “الخفيفة والمتوسطة والثقيلة” وبعد ذلك عادت بعض الأسلحة إلي سيناء لتباع للأهالي في ظل الانفلات الأمني في سيناء وغياب الحكومة المصرية ، وهو ما أدي إلي تدهور الأوضاع الأمنية وانتشار السلاح.
وبالنسبة لانفاق الافراد فقد زادت بصورة كبيرة بعد ثورة 25 يناير ووصول التيارات الاسلامية فأصبحت كثيرة وتم بناء العديد من الانفاق السرية بداخل بيوت في رفح او علي الجانب الفلسطيني ، ايضا يستطيع أي شخص ان يتفق مع صاحب البيت الذي بداخله النفق ويعطيه مبلغًا من المال نظير تهريبه.. وذكر سالم ايضا ان هناك أشخاصا يقومون بحراسة الانفاق علي الجانبين ولكن علي العين الموجودة في فلسطين يتم تكثيف الحراسة بسبب وجود معدات ومواتير وماكينات يخشون عليها من السرقة، أما العين المتواجد في رفح المصرية فيتم قفلها نهاية اليوم بعد انتهاء العمل فيها.
انهيار المنازل
وفي المقابل استمعت الاهالي لشكاوي سكان منطقة صلاح الدين الحدودية من هذه الانفاق بسبب انهيار منازلهم او تعرضها لتصدعات كبيرة حيث توجد بيوت كثيرة بميدان صلاح الدين تحتها أنفاق وأصحابها لا يعلمون لأنها تحت أعماق كبيرة وهذا أدي الي انهيار العديد من المنازل حوالي 40 منزل تقريبا ً كما تصدع أكثر من 30 عقارا خلال العامين الاخيرين وتكمن خطورة الأنفاق في طريقة انشائها التي عادة ماتتم بصور عشوائية غير قائمة علي اسس هندسية ” حيث يقوم اي شخص بفتح حفرة ارتفاعها متر ونصف كي يتمكن من المرور من خلالها لذلك فهي غير آمنة علي الإطلاق وتصلح اكثر لنقل البضائع فقط، كما ان بعض الانفاق تمر بمناطق ضعيفة في الأرض بفعل المياه الجوفية غير ان الصواريخ التي تطلقها إسرائيل علي قطاع غزة تؤدي الي تصدع الانفاق والمنازل التي فوقها، في هذا الصدد حدثت العديد من الانهيارات الارضية التي ادت الي تدمير بعض الانفاق اثناء مرور اشخاص بها حيث مات الكثير من العمال الفلسطينيين تحت الأرض بفعل القصف الاسرائيلي وانهيار الانفاق والمشكلة في تلك الحالة تكون في كيفية اخراج جثثهم من تحت الانفاق المنهارة والتي يجب ان تتم من خلال الجرافات
تهريب الاسلحة
بينما قال ابراهيم المنيعي الذي يعمل في مجال الانفاق منذ 8 سنوات ” كنت أقوم بتهريب السلاح لأشقائنا الفلسطينيين عبر تلك الأنفاق لمساعدتهم في مواجهة العدو الصهيوني، ولكن بعد اكتفاء غزة بالسلاح أصبحت تلك التجارة غير مجزية لذلك اتجهت حالياً للعمل في أنفاق الحصمة وهي الخاصة بتهريب الزلط ومواد البناء، بالإضافة إلي تملكي نفقاً بمنزلي لتهريب الأفراد. وعن الطرف الذي يتحمل تكلفة إنشاء النفق قال المنيعي كان زمان تكلفة حفرة تكون علي صاحبه من الجانب الفلسطيني ودوري كان يقتصر فقط علي تسلمي للعين هنا وأخذ نسبة علي عمليات النقل، إنما حاليا يتم اقتسام تكلفة بناء النفق، الحكومة أصبحت تاركة لنا الفرصة عن أيام عهد مبارك، وأصبح لا يوجد خوف مثل ذي قبل.
مواقف طريفة
هناك ايضا بعض الطرائف والاحداث المثيرة التي تحدث خلال حفر الأنفاق خاصة في ظل قيام بعض من عديمي الخبرة ببناء الانفاق رغم جهلهم باصول حفرها ، فمن المعروف أن لكل نفق فتحتين، واحدة في الجانب الفلسطيني وأخري في الجانب المصري، ويتم الاتفاق مسبقا بين شخصين احدهم علي الجانب المصري والاخر في قطاع غزة علي البدء في الحفر بشكل دقيق بالاعتماد علي بوصلة، وأجهزة قياس محددة، الا ان احد المواطنين من سكان قطاع غزة قام بعمل شيء غريب ومدهش يحكي عنه ابناء رفح منذ 3 سنوات حتي الان ، فبعد أن حددت فتحتا النفق، وبدأ الحفر بالفعل، وحان وقت إخراج العلامة من باطن الأرض، وهي الخطوة التي عادة ما تسبق إحداث الفتحة في الجانب المصري، اكتشف مالك النفق أنه سار بنفقه مسافة 200 متر في اتجاه الجنوب، ثم انحرف بالحفر الي اتجاه الشمال مرة اخري ليجد نفسه امام الفتحة التي حفرها امام منزله ويكتشف أنه لم يعبر الحدود وان فتحتي النفق في الأراضي الفلسطينية علي طريقة ” ودنك منين ياجحا”.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق